الشيخ محمد علي طه الدرة

673

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وَآتَوُا الزَّكاةَ أدّوها ، والإيتاء : الإعطاء ، يقال : آتيته : أعطيته ، قال اللّه تعالى ، حكاية عن قول المنافق في سورة ( التّوبة ) رقم [ 75 ] : لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وأتيته بالقصر من غير مد بمعنى : جئته ، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مدّ ، ومنه الحديث ولآتينّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلأخبرنّه . هذا ؛ وأصل آتوا « آتيوا » فاستثقلت الضمة على الياء ، فحذفت ، فالتقى ساكنان : الياء والواو ، فحذفت الياء لعلة الالتقاء ، فصار « آتوا » . ويقال في إعلاله أيضا : تحركت الياء وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، فصار : ( آتاوا ) فاجتمع ساكنان : الألف والواو ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، فصار : آتوا ، وبقيت الفتحة على التاء دليلا على الألف المحذوفة ، وما ذكرته يجري في إعلال كلّ فعل ناقص ، مثل : نجا ، ورمى ، وسعى ، ودعا ، وغزا ، هذا ، وتحرك واو الجماعة بالضّمة إذا لقيها ساكن ، كما في هذه الآية ( آتوا ) ولم تحرك بالكسرة ؛ لأنّ الكسرة لا تناسبها ، وقيل : حركت بالضم دون غيره ؛ ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك : « لو اجتهدت ؛ لنجحت » . وقيل : حركت بحركة الياء المحذوفة ، وقيل : ضمت ؛ لأنّ الضّمة هنا أخفّ من الكسرة ؛ لأنها من جنس الواو ، وقيل : غير ذلك . هذا والزكاة في اللغة التطهير والإصلاح والنماء والمدح ، يقال : زكا الزرع والمال ، يزكو ، إذا كثر وزاد ، وسمي الإخراج من المال زكاة ، وهو نقص منه حيث ينمو بالبركة ، قال تعالى في سورة سبأ رقم [ 39 ] : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ كما يقال : زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال ، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق ، الذي جعل اللّه فيه للمساكين ، ألا ترى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس ، وقد قال تعالى في سورة التوبة رقم [ 103 ] خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها . والزكاة في الشرع : اسم لما يخرج من مال ، أو بدن على وجه مخصوص ، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة الّتي بني عليها الإسلام ، ومن ثمّ يكفر جاحدها على الإطلاق ، أو في القدر المجمع عليه ، ويقاتل الممتنع عن أدائها ، وتؤخذ منه قهرا ، كما فعل الصدّيق - رضي اللّه عنه - ، وتدفع الزكاة لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [ 60 ] من سورة ( التوبة ) ، وزكاة الفطر لا يوجد نصّ صريح في القرآن عليها ، إلا ما تأوّله بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة الأعلى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ، وتحدّثت عنها بعونه تعالى عند الكلام على آي الصيام . هذا وأضيف : أنّ الزكاة قرينة الصّلاة ، فقد روي : أنّ أعرابيّا جاء إلى ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، فقال له : يا بن عباس ! أنت حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، علّمك اللّه أسرار الكتاب ، وفقّهك في الدّين ، فقل لي بربك : لماذا قرن اللّه الصّلاة إلى الزّكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية ؟ فقال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : ذلك لتعلم أنّ الصلاة ، والزّكاة توءمان ، لا يقبل اللّه إحداهما بدون الأخرى ، تلك حقّ اللّه ، وهذه حقّ الناس ، ورضي اللّه عن الصدّيق الذي سوّى